أزمة منتصف الطريق

img 1784

قبل عدّة سنوات ذهبت وأختي لمشاهدة الحيتان في المحيط الهندي، وقَّعنا على التعهد المطلوب قبل الرحلة بحماسٍ شديد والذي تضمن إخلاء الشركة المشغلة مسؤوليتها من أي مخاطر محتملة، توقعنا ركوب أحد السفن الكبيرة المتواجدة على المرساة وتفاجئنا بتوجيهنا إلى قارب برتقالي صغير يشبه قوارب النجاة. بدأ القارب في الإبحار حتى ابتعدنا عن اليابسة وكان قائد القارب يطفئُ محركه بين الحين والآخر حتى تقترب الحيتان لأنها تخاف من أصوات المحركات، يهدأُ القارب حينها تماماً ويبدأ بالاستسلام لحركة الأمواج. اختفت اليابسة عن أبصارنا من جميع الاتجاهات ولم تقترب الحيتان، في تلك اللحظات بدأت نبضاتنا بالارتفاع فكل ما هو مألوف لنا بعيد عن الأعين، ومنظر الزرقة الممتدة في جميع الاتجاهات مهيب، غلبني شعور بالورطة: ما الحاجة الملحة لأن نرى الحيتان؟

هذا الشعور بالورطة أستطيع أن أطلق عليه: أزمة منتصف الطريق؛ بعد أن يخفت حماس البداية ووهجها ولمعانها وبهجتها لكن لا تزال الغاية المرجوّة في الجانب الآخر لم تتحقق بعد وتحتاج إلى وقت وجهد والكثير من التوفيق والبركة. بدأ وعثاء الطريق وآثاره بالظهور، لكن بقيته تتطلب سعياً وجهداً وبذلاً و”نَفساً” طويلاً.

مع صعوبات الطريق وتحدياته -المتوقعة والمفاجئة- تبدأ الشكوك بالظهور كأشخاص حادّي الطباع تعلو أصواتهم فوق بعضهم البعض، يتنافسون لإخبارك بكل الأسباب الصحيحة التي تثبت أن قرارك كان خاطئاً، ولِمَ كانت الخطوة التي اتخذتها هي أسوء خطوة ممكنة في أكثر وقت غير مناسب.

على الرغم من أن الموضوع قد أُشبع حديثاً، إلا أني لم أجد أثراً مماثلاً للاتكاء على الكتابة -السابقة للقرارات واللاحقة لها- في التعامل مع ذلك. يخفف الزمن وطأة الأحداث ووقعها، وكانت نصيحة إحدى الصديقات لي عندما كنت أفكر في العمل المستقل بجدية هي أن أكتب كل شيء: أسبابي، أهدافي، مشاعري، مشاريعي الشخصية والعملية، القيم التي دفعتني إلى ذلك، مخاوفي، آمالي. أخبرتني أني سأحتاج إلى إعادة قراءتها مراراً لأني سأنسى في خضم التحديات اليومية في الطريق الذي أعد مستجدة فيه وقع تحديات الطريق الذي عرفته جيداً ولكني لم آلفه ويألفني.

وقد يكون مما يعين في ذلك أيضاً أن تجد من يشاركك التجربة في بعض تفاصيلها و”يرد عليك الصوت”، أو أن تحاول إيجاد ذلك من خلال مشاركة تجربتك بأي وسيلة تفضلها وأن تبحث عن وتسأنس بتجارب الآخرين التي تشبه ما تمر به. لا تزال فكرة إنشاء مجتمع متناهي الصغر لمن يخوضون رحلة مشابهة تراودني لكن تفاصيل الكيفية لا تزال مبهمة.

وأولاً وأخيراً ودائماً، أن تتذكر أنك لست وحدك وإن كنت وحدك، وأن تعلم يقيناً أن جل ما تملكه هو أن تسعى وتبذل الأسباب التي تملكها، ثم تتوكل على اللطيف الخبير الذي خلقك من قبل ولم تكُ شيئاً، وتستعين به سبحانه في أمورك كلها مهما استصغرتها، وتبث إليه مخاوفك وقلقك، وتدعوه أن يجعل سبحانه في قلبك نوراً وفي بصرك نوراً وفي سمعك نوراً وعن يمينك نوراً وعن شمالك نوراً ومن فوقك نوراً ومن تحتك نوراً، نوراً يغلب كل الظلمات والعتمة والخوف.

“فالتوكّل اعتماد القلب على الله، والسير بما تيسر من الأسباب، دون إفراطٍ يرهق النفس، ولا تفريطٍ يعطّل السعي ويورث الوهن.”


اكتشاف المزيد من رحلة من المحاولات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *