منذ عدة أشهر أحاول إتقان “الرجيعي المديني” الذي لطالما تأملت نساء العائلة الكبار يؤدينه في المناسبات بانبهار، والذي بدأ بالانقراض شيئاً فشيئاً في مناسباتنا مع تقدمهن في السن وصعوبة حركتهن، وبعد بحث طويل عميق لم أجد أي مصادر للنسخة النسائية منه على الإنترنت. لا أعلم إذا كان للتقدم في العمر دور في هذا ولكني أصبحت مؤخراً أبحث و”أنبش” عن ألفة انعكاسات الموروث في الاحتفال والاحتفاء واللهجات والمطابخ.
أثناء حديثي مع إحدى الصديقات جاء الموضوع عرَضاً فأخبرتني أن إحدى قريباتها تتقنه، وشاركت معي مقطعاً قصيراً لها بعد استئذانها وكان المصدر الوحيد لتعلمه.
يتغير طعم الاحتفالات والمناسبات بعد الفقد -بمختلف أشكاله-، ولربما كانت أقرب لأن تكون عدسة مكبرة لتبدل الأحوال. خلال معظم سنيني الماضية كان يستحيل أن أشارك في الممر الذي ينتصف الصالات والقاعات، وكان هنالك دوماً من يقوم بهذه المسؤولية الاجتماعية نيابةً عني. بعدما فقدَت هي معظم قدرتها على ذلك بشكل مفاجئ دون مقدمات وعندما غابت عن مناسبة لابن أختنا سبقت قدمايَ عقلي عندما كانت والدته وحدها في المنتصف لمحاولة تعبئة الفراغ المتروك.
قبل عدة أيام كانت مناسبته الكبرى، حضَرَت وزينت عكازها الذي أصبحت تستعين به بعدما فقدت التحكم المحكم في نصفها الأيمن. “سليّم سليّم ويش أسوي بمحبوبي” قمت إلى المنتصف لأطبق ما تعلمته، قفز مستمر خفيف في دوائر إلى الخلف، الممر خالٍ إلا من أخرى تعرفت إليها لاحقاً وشكرتها على إنقاذي من الدوران وحدي كزنبرك تائه في المنتصف فقدَ قدرته على التوقف.
“حليمة حليمة خيطي ثوبي المشقوق، جديد النقوش ولا لبسته يسليني” قامت بعكازها، تسندها إحدانا من الجهة اليمنى، تمسك بعكازها باليسرى وتهزه إلى الأعلى والأسفل، تغلبها دموعها لأن هذا ما قدّر الحكيم لها من قدرةٍ على المشاركة بعدما كانت تملأ المكان بحركتها، نغص بقيتنا حولها بدموعنا وأيادينا تمسك بعكازها وتحركه معها، يطوقنا الأحباب بتصفيق وزغاريد ودموع.
أشعر أن المضي قدماً في الحياة والأيام بعد تغير الأحوال الحاد المستمر أشبه بأن يحوي القلب والنفس ظاهرة مرج البحرين، ماءٌ عذبٌ وماءٌ مالح، يتواجدان معاً في الوقت والبقعة ذاتها لكن لا يختلطان ولا يلغي أحدهما الآخر أو يقلل من حجمه، فرحٌ وألم، ألمٌ وفرح، دموعٌ تتوسطها ابتسامة، وضحكاتٌ مع غصةٍ دائمة لا تبرح مكانها في القلب حتى تصبح جزءاً منه.
وأعتقد أن هذا هو حقيقة وجودنا المؤقت هنا، فالأفراح والأنس يخففان من ثقل الرحلة، والشدائد تذكرنا بتأقيت هذا كله.
عزائنا أن هذا مجرد جزء من الرحلة، وأننا موعودون -بإذن الله وكرمه وفضله ورحمته وتوفيقه وفضله- بنعيم مقيم دائم لا يزول مع الأحباب، لا ينغصه منغص ولا يربكه فقدٌ ولا سقم ولا ألم.
متعني الله وإياكم بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحيانا، ومسح على أجساد مرضانا ومرضاكم ومرضى المسلمين بشفائه، ورزقنا شكر نعمه، ورزقنا برد الرضا واليقين، وجعل أُنسنا الدائم به، وجعلنا ممن يصبر حتى يلقى حبيبه صلى الله عليه وسلم على الحوض.
اكتشاف المزيد من رحلة من المحاولات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.