بعيد وسعيد

13e5e2c4 7a7c 47f0 8e24 fffbe556757e

كثيراً ما يُقال: استمتع بالرحلة لأنك عندما تصل إلى وجهتك ستجد أن الرحلة هي الأساس والعمر والوقت، والوجهة مجرد دافع، وعندما تصل إليها قد تجد أنك كنت تتوقع منها أكثر مما هي عليه حقيقةً. لكن في خضم الرحلة من الصعب أن تأخذ خطوةً إلى الوراء لتنظر إليها بهذه العين وبألا يتضخم شعورك بوعورة الطريق وبكل ما تمر عليه وبه من مرتفعات ومنخفضات ومطبات وحفر وأتربة تنفضها الرياح على وجهك وتملأُ بها أنفك وعينيك.

لذا وأنا أمر بأيامي أو تمر هي علي -لا أدري أيهما أدق وصفاً- وعندما يسألني أحدهم: أين وصلتِ؟ أجد الإجابة صعبة ومعقدة. هناك مرحلة أقرب وصفٍ لها هي: البناء اللامرئي؛ أستيقظ كل يوم وأقضي ساعات في أمور مكتبية وقرارات متناهية الصغر ابتداءً من اختيار لون خلفية الموقع والخط المستخدم فيه وحتى مراجعة الجهات واستخراج الرخص مروراً بما أشعر أنه حاجةٌ لتغيير تام في جزيئات دماغي وتحويل لكيفية التفكير في الأمور وتفكيكها والتعامل معها وتصورها.

اعتدت على أن أكون بصورة كبيرة: منفذة، نعم أدرس المواضيع بدقة وأحللها ثم أبحث وأقرأ حتى يصيبني صداعٌ وتبدأ رؤيتي في الغباش وأعمل على مخرجات شديدة الدقة، لكن كل ذلك يعدّ مساراً واحداً في طريق يحوي عشرات أو حتى مئات المسارات. فالأمر يختلف جداً عندما تكون جزءاً من عمل في منظومة تُحال إليك فيها المهام، وبين أن تحاول بخطى متعثرة مرتبكة أن تبني منظومة مناسبة لك بمواردك المتاحة وخبرتك المحدودة جداً في هذا الجانب.

ولعلي أمسكت أحد الأيام هاتفي بالعرض وبدأت في تصوير لقطات صامتة، وعندما بدأت في تصفح ما التقطه تذكرت الجهاز الذي اقتنيته منذ ما يقارب خمسة وعشرون عاماً كهدية نجاح من أحد الصفوف: كاميرا سوني بحجم ملائم لأن يكون حفّارةً هذه الأيام، تذكرت أني كنت أستمتع بتصوير كل شيء قبل أن يكون هنالك خيار لمشاركة ما ألتقطه في فضاءات عامة كما هو الحال الآن، وبأني كنت دائماً أشعر أن التصوير يضع بيني وبين الواقع مساحةً تعينني على التنبه للعديد من الجماليات التي لا تلتقطها عيني المجردة، وإن كانت هي وعدسة التصوير ينظران إلى النقطة ذاتها.

ثم تنبهت إلى أن الكتابة تمنحني الفسحة ذاتها، فهي فعلٌ بطيء لا يمكن استعجاله، تتقافز الأفكار والكلمات إلى الذهن ولا يمكنها فعل ذلك إلى الصفحات إلا بعد أن تجعلها سرعة الأصابع تنتظر لوهلة، فتعين هذه الوهلة وإن صغرت على “هضم” الأمور بشكلٍ أفضل، أشبه بأن تكون الأفكار متناثرة مبعثرة “وإن كانت طيبة وبنت ناس” لتأتي الكتابة فتهذب شعرها وترتب هندامها وتحولها من حالةٍ هلامية إلى شكلٍ ذو مغزى، ومن ثم ينعكس ذلك على النفس واستقرائها لتجربتها ومن ثم تعاملها معها.

أحياناً عدة يغوص المرء في لحظته الثقيلة الراهنة ويرى أنها تتغول على تفاصيل حياته حتى يظن أنه لا فكاك منها أبد الدهر أياً كانت مسبباتها، ومما يمكن التوكؤ عليه في ذلك بالنسبة لي لاستشعار جماليات الرحلة هو أن أنظر لها بـ”عين الطائر” من الأعلى، و”سلالم” عين الطائر بالنسبة لي هي التصوير والكتابة، والمثالية هي العدو اللدود لهما، ولكنها حديثٌ يطول ليومٍ آخر..


اكتشاف المزيد من رحلة من المحاولات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.